محمد أبو زهرة

1682

زهرة التفاسير

وقد ذكر سبحانه بجوار الإنفاق رياء عدم الإيمان ، فقال في أوصافهم : وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وهذا وصف يعم الذين يراءون ، ويشمل الكافرين ، وهو حقيقي في الكافرين الذين لا يذعنون للحق ، فيؤمنون بالله واليوم الآخر ، ودائم معهم بدوام كفرهم ، وبالنسبة للمرائين من أهل القبلة ثابت لهم وقت رئائهم ؛ لأن من يتصدق راجيا ما عند العباد من جاه أو ملق أو استعلاء ، لا يؤمن بحق الله عليه وقت تبرعه ، ولا يؤمن بأن وجه الله هو الذي يقصد ، ولا ينظر إلا إلى متاع الدنيا ، ولا يؤمن في عمله هذا باليوم الآخر ، ولو كان يؤمن بالله في عمله هذا لقصد وجهه الكريم ، وما يكون من ثواب مضاعف على فعله ، وإن هذا كله من عمل الشيطان . وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً الشيطان هنا كل ما يحرض على الشر من وسوسة نفس ، وصاحب مفسد ، ومن تسلط على عباد الله تعالى لإغوائهم ، وفي النص القرآني إيجاز بالحذف معجز ، إذ المعنى : وقد دفع هؤلاء إلى الرياء في إنفاقهم وإلى البخل والكتمان قرناء السوء من شياطين الإنس والجن ، والقرين هو الصاحب الملازم الذي يخلط نفسك بنفسه ، ويقرنها بها حتى تصيرا كأنهما شئ واحد ، ومعنى قوله : وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً من يكن الشيطان صاحبا ملازما له قد اختلط به ومازج نفسه ، فما أسوأه من قرين محرض على الشر يدفع إليه بصحبته ، وملازمته وإغوائه ، والعدوي التي تسرى إليه . وفي النص إشارة إلى أن قرناء السوء يفسدون الأخلاق ؛ لأن عدوى الأخلاق تصل بالمجاورة كما تصل عدوى الأمراض . وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ هذا النص توبيخ للذين يؤثرون رضا الناس على رضا الله ، فلا يبتغون ما عنده ، ويبتغون ما عند الناس ، فيراءون ويمنعون الخير لذات الخير . والمعنى : ما ذا يكون عليهم من مغبة أو تبعة أو ضرر ، لو أنهم آمنوا بالله حق الإيمان وباليوم الآخر الذي يكون فيه الجزاء الحقيقي ، ولم يأخذهم زخرف الحياة الدنيا فلا يرعوا سواها ؟ إنه لا ضرر